ملف رقم ٠٠١

رجال الظل

رفعت الجمال — الرجل الذي عاش ١٧ سنة بلا وجود

من دمياط إلى تل أبيب، عبر اسم لم يكن اسمه.

تاريخ رفع السرية · 1987Egypt / Israel1950s

التوثيق

اسمه الحقيقي رفعت علي سليمان الجمال. مواليد دمياط، شارع الشرباصي. الجهاز — الخدمة السرية المصرية التي أسسها زكريا محيي الدين — لقّبه بـ"رأفت الهجان". الاسم لم يظهر للنور إلا بعد موته بخمس سنوات.

قبل الأسطورة، لم يكن رفعت نموذج البطل. طالب مستهتر، هاوي مسرح وسينما، مثّل مع بشارة واكيم في ثلاثة أفلام. عمل محاسباً في شركة بترول أجنبية وطُرد بتهمة اختلاس. وفي ١٩٥٢ قُبض عليه في ليبيا بجواز سفر بريطاني مزور.

رأى الجهاز في ذلك الاستهتار شيئاً آخر — مهارة في التخفي، وطلاقة في اللغات. أدخلوه تدريباً طويلاً: اقتصاد وشركات متعددة الجنسيات، عادات اليهود وتاريخهم والفرق بين الأشكناز والسفارديم، القتال المتلاحم، التصوير الدقيق وتحميض الأفلام، فك الشفرات والحبر السري، والأسلحة الصغيرة.

ثم محوه.

أزالت المخابرات المصرية كل الأوراق التي تثبت وجود رفعت الجمال من كل الأجهزة الحكومية. رسمياً — الرجل لم يعد موجوداً. ومكانه وُلد جاك بيتون: مواليد ٢٣ أغسطس ١٩١٩، أب فرنسي وأم إيطالية، يهودي أشكنازي.

تسلّم ٣٠٠٠ دولار، وفي يونيو ١٩٥٦ ركب سفينة إلى تل أبيب. هناك بنى علاقات مع قيادات إسرائيلية على أعلى مستوى — جولدا مائير، موشيه ديان. وصفت زوجته تلك السنوات بجملة واحدة: كان يعيش كإمبراطور.

روت زوجته أنه هو من كشف إيلي كوهين. رأى صورة في صحيفة عربية لـ"كامل أمين ثابت" وسط ضباط سوريين — وعرفه. كانا قد اعتُقلا معاً في القاهرة عام ١٩٥٤. أبلغ المخابرات المصرية، والمصرية أبلغت السورية. أُعدم كوهين عام ١٩٦٥. (الرواية السورية تقول إن الكشف تم عبر ثلاثة ضباط التقطوا إشارات جهازه اللاسلكي.)

في ٣٠ يناير ١٩٨٢ مات بسرطان الرئة في دارمشتات قرب فرانكفورت، ودُفن هناك. تقدّم ابنه دانيال بالتماس لمبارك للحصول على الجنسية المصرية. رُفض — لا يوجد ورق يثبت أنه ابن رجل مصري.

كان المحو كاملاً. حتى بعد الموت.

القراءة

تحليل — لا يُقرأ كحقيقة مثبتة

هذا الملف ليس مغلقاً. وذلك أهم ما فيه.

نشرت "هآرتس" أن الجمال كان عميلاً مزدوجاً عمل أساساً لصالح إسرائيل — أن الموساد كشفه مبكراً، ومنحه معلومات صحيحة عن ١٩٥٦ قبل يوم واحد فقط ليكسب ثقة المصريين، ثم استخدمه في تضليل ١٩٦٧. وفي ٢٠١١ اعتبرت إسرائيل تجنيده من أنجح عملياتها على الإطلاق، وسمّتها "عملية الوتد".

كان الرد المصري قاطعاً. اللواء محمد رشاد، وكيل المخابرات الأسبق: فبركة صحفية هدفها التقليل من بطولات المخابرات المصرية. وسأل الضابط محمد نسيم السؤال الذي لم يُجب عليه أحد: لو كان عميلاً مزدوجاً، لماذا بقي في إسرائيل؟ لماذا لم ينتقل ليعيش في مصر أو أي دولة عربية؟

لكن هنا الجزء الصعب. التشكيك لم يأتِ من إسرائيل وحدها.

كتب أمين هويدي — رئيس المخابرات العامة ووزير الدفاع الأسبق — في "الفرص الضائعة" أن الهجان لم تمتد كفاءته أو قدرته إلى ذلك الحد، وأن تقييم عمله كان متواضعاً يحيطه الشك. وكان للفريق رفعت جبريل، رئيس الأمن القومي الأسبق، رأي متشكك كذلك. رجلان من قلب الجهاز نفسه.

ثلاثة احتمالات، وكلها مفتوحة.

الأول — بطل حقيقي، والرواية الإسرائيلية دعاية متأخرة. ونقطة نسيم قوية: لا يموت عميل مزدوج في ألمانيا وابنه ممنوع من إسرائيل.

الثاني — عميل مزدوج فعلاً. لكن هذا يصطدم بسؤال: لماذا انتظرت إسرائيل عرض المسلسل لتتكلم؟

الثالث، والأرجح — أن الحقيقة أعقد من الاثنين. حرب الاستخبارات ليست أبيض وأسود. عميل يقضي سبعة عشر عاماً في العمق قد يكون مُداراً من الطرفين، يعرف ولا يعرف. والمعلومات التي يبعثها قد تكون صادقة ومضللة في آن — لأن من يمنحها له يلعب هو الآخر.

وملاحظة أخيرة: كل ما قرأناه أعلاه مصدره كتاب ومسلسل — "كنت جاسوساً في إسرائيل" لصالح مرسي. أي أن الصورة الشعبية للرجل بُنيت على عمل أدبي، لا على ملف مفرج عنه. والملف الحقيقي — ملف ٣١٣ — لا يزال مغلقاً.

عاش رفعت الجمال سبعة عشر عاماً بلا وجود رسمي. ومات وهو كذلك.

المصادر

  1. 01الجزيرة نت — موسوعة، ٢٠٢٤
  2. 02رصيف٢٢ — «بطل قومي أم عميل مزدوج؟»، ٢٠١٧
  3. 03العربية.نت — حوار اللواء محمد رشاد، ٢٠١٧
  4. 04المصري اليوم — «مشاهد في حياة بطل الظل»، ٢٠٢٣
  5. 05الوطن — «٩٢ سنة على ميلاد رفعت الجمال»
  6. 06أمين هويدي، الفرص الضائعة
  7. 07محمد نسيم، حوار مع عادل حمودة، روزاليوسف ١٩٩٣
  8. 08Haaretz, Ofer Aderet — 2017

شارك الملف

هذا الأرشيف يوثّق ما أُفرج عنه علناً فقط. لا يحتوي على معلومات سرية أو غير منشورة.

This archive documents publicly declassified material only.