عملية سوزانا — حين أرادت إسرائيل أن تُحرق القاهرة بأيدٍ مصرية
شبكة مخترقة بالكامل. وضابط يقودها كان عميلاً مزدوجاً.
التوثيق
السياق: ١٩٥٤. بريطانيا تتفاوض مع نظام يوليو الجديد على الانسحاب من قناة السويس. ثمانون ألف جندي بريطاني على وشك المغادرة. والعلاقات المصرية–الأمريكية آخذة في التحسن. في القدس، أثار ذلك قلقاً.
الفكرة: أن تُنفَّذ تفجيرات وحرائق ضد منشآت بريطانية وأمريكية داخل مصر — فتبدو وكأن الفاعل مصري. النتيجة المرجوة: توتير علاقات القاهرة بواشنطن ولندن، وثني بريطانيا عن الجلاء.
الأداة: الوحدة ١٣١ — وحدة سرية تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان". مهمتها العمليات التخريبية في الدول العربية. أُنشئت وتولاها المقدم مردخاي بن تسور. جنّدت الوحدة شباناً من الشبيبة الصهيونية في القاهرة والإسكندرية.
الملاحظة القاتلة، التي أدركها الإسرائيليون لاحقاً: ذلك التنظيم كان مراقَباً بالكامل من المخابرات المصرية. كل أعضائه معروفون.
الرائد أبراهام دار دخل مصر بجواز رجل أعمال بريطاني اسمه "جون دارلينج". ثم أُرسل أفري إلعاد — إسرائيلي من أصل نمساوي، وصل صيف ١٩٥٤ متخفياً في هيئة وكيل لشركة إلكترونيات ألمانية، بهوية مزورة باسم "الرائد بول فرانك". إلعاد كان معروفاً بسيرة سيئة وجرائم جنائية، وطُرد من الجيش الإسرائيلي بسببها. وعُيّن مسؤولاً عن العملية.
التنفيذ: يوليو ١٩٥٤. شبّ حريق في مكتب البريد الأمريكي بالإسكندرية. وصل الرائد ممدوح سالم — ضابط المباحث العامة — إلى الموقع. عثر على جراب نظارة يحوي بقايا فوسفور أحمر. تفاعل كيميائي متعمّد. لا تماس كهربائي. تلت ذلك حرائق في المكتبتين الأمريكيتين بالقاهرة والإسكندرية. الصحافة أرجعت السبب إلى ماس كهربائي.
السقوط: مساء ٢٣ يوليو ١٩٥٤ — الذكرى الثانية للثورة. النقيب حسن المناوي، معاون مباحث قسم العطارين، في جولة اعتيادية بشارع فؤاد بالإسكندرية. يسمع صراخاً أمام سينما "ريو". يجري نحو الصوت. رجل يخرج مسرعاً والنيران تلتهم بنطاله. العبوة الناسفة اشتعلت في جيبه قبل الأوان. انكشفت الخيوط. سقطت الخلية.
الأحكام: المحاكمة في ديسمبر ١٩٥٤. الأحكام في ٢٧ يناير ١٩٥٥: الإعدام شنقاً لـ موسى ليتو مرزوق وصمويل بخور عازار (نُفّذ في ٣١ يناير ١٩٥٥)؛ الأشغال الشاقة المؤبدة لـ فيكتور ليفي وفيليب ناتانسون؛ ١٥ سنة لـ مارسيل نينيو وروبير داسا؛ ٧ سنوات لـ يوسف زعفران وماير ميوحاس. نجا اثنان بالفرار. أحدهما إيلي كوهين.
الزلزال في تل أبيب: تبيّن لاحقاً أن أفري إلعاد — الضابط المسؤول عن العملية — كان عميلاً مزدوجاً. هو من أبلغ عنهم، وهرب. حُوكم في إسرائيل — لا بتهمة الخيانة، بل بتهم أخرى — وسُجن ١٢ سنة.
رئيس الوزراء موشيه شاريت لم يكن يعلم بالعملية أصلاً. ولا رئيس الموساد إيسار هرئيل. وزير الدفاع بنحاس لافون أنكر إصداره الأمر. رئيس "أمان" بنيامين جيبلي أصرّ على أن لافون أمر. الاتهامات وصلت إلى تزوير مستندات. لافون استقال. جيبلي أُقصي. شاريت تنحّى وعاد بن غوريون.
وما بات يُعرف باسم "فضيحة لافون" لم يُحسم لغزه بشكل كامل حتى اليوم. والنتيجة المؤسسية: تقلّص دور "أمان" وانحصر في جمع المعلومات العسكرية. وبرز الموساد ليصبح الجهاز المعني بالعمليات الخارجية.
القراءة
عملية سوزانا تُدرَّس عادةً كفشل استخباراتي. وهي أكبر من ذلك بكثير.
أولاً — الفشل لم يكن في التنفيذ. كان في الفرضية. العملية قامت على افتراض أن شباناً من يهود مصر يمكن تحويلهم إلى أداة تفجير ضد بلدهم، دون أن يُكشفوا. وهو افتراض كان خاطئاً من يومه الأول، لأن التنظيم الذي جُنّدوا منه كان مخترقاً بالكامل. من خطط للعملية لم يكن يجهل هذا. كان يجهل أنه يجهله. وهذا فارق جوهري.
ثانياً — الفصل الأقسى ليس مصرياً. الرجل الذي أدار العملية كان عميلاً مزدوجاً. الرجل الذي أُرسل ليقود الشبان هو من سلّمهم. وحين حُوكم في إسرائيل، لم تُوجَّه إليه تهمة الخيانة. وُجّهت تهم أخرى. هذا وحده يستحق التوقف طويلاً.
ثالثاً — الثمن دفعه أضعف الأطراف. مرزوق وعازار شُنقا. آخرون قضوا أربعة عشر عاماً في السجون حتى صفقة تبادل الأسرى عام ١٩٦٨. من أصدر الأمر لم يُعاقَب. لأن أحداً لا يعرف — حتى الآن — من أصدره.
بعد عشرين عاماً، ظهر مارسيل نينيو وروبير داسا ويوسف زعفران على شاشة التلفزيون الإسرائيلي، وهاجموا الحكومات التي لم تكلّف نفسها البحث عن طريقة للإفراج عنهم. وحين أُفرج عنهم أخيراً، استُقبلوا "استقبال الأبطال". وحضرت جولدا مائير زفاف مارسيل نينيو بنفسها. الدولة التي نسيتهم أربعة عشر عاماً، حضرت العرس.
رابعاً — الدرس المصري. لم تسقط الشبكة بعبقرية مخابراتية. سقطت بضابط مباحث في جولة اعتيادية، سمع صراخاً واتجه نحوه. النقيب حسن المناوي لم يكن يعرف أنه يفكك عملية إسرائيلية. كان يجري نحو رجل تحترق ملابسه.
أفضل أجهزة الأمن هي التي تُتيح للصدفة أن تعمل. ضابط في مكانه. تحرٍّ يلتقط جراب نظارة ويسأل عن الفوسفور بداخله. سلسلة صغيرة من الرجال الذين فعلوا أشغالهم اليومية بإتقان.
هذه ليست قصة عن الجواسيس. هي قصة عن الشرطة.
المصادر
هذا الأرشيف يوثّق ما أُفرج عنه علناً فقط. لا يحتوي على معلومات سرية أو غير منشورة.
This archive documents publicly declassified material only.