التوثيق
إلياهو بن شاؤول كوهين. مواليد الإسكندرية، ٢٦ ديسمبر ١٩٢٤، لأسرة يهودية سورية من حلب هاجرت إلى مصر عام ١٩٢٤.
في مصر كان طالباً بجامعة الملك فاروق، وترك الدراسة. انضم عام ١٩٤٤ لمنظمة الشباب اليهودي الصهيوني بالإسكندرية. وبعد ١٩٤٨ نشط في تحفيز يهود مصر على الهجرة.
نقطة تقاطع مصرية: في مرحلة ما، عمل كوهين مع أبراهام دار — الضابط الإسرائيلي المكلف بتجنيد العملاء. والوحدة ١٣١ التي التحق بها عام ١٩٥٥ هي نفسها الوحدة التي نفّذت عملية سوزانا. كان من الاثنين اللذين نجيا من سقوط الخلية.
هاجر إلى إسرائيل عام ١٩٥٧. عمل محاسباً، ثم مترجماً في وزارة الدفاع. طُرد. تزوج.
الموساد رآه مشروع جاسوس جيد. أُعدّ في البداية لمصر. ثم عُدّلت الخطة: دمشق.
البناء: عام ١٩٦١ سافر إلى الأرجنتين بجواز سفر سوري باسم "كامل أمين ثابت" — تاجر مصدّر. على مدار عامين، بنى في بوينس آيرس شخصية رجل أعمال سوري ناجح، وطنيّ شديد الحماس لبلده. صار شخصية مرموقة في الجالية العربية.
عام ١٩٦٢ "عاد إلى وطنه". سكن حي أبو رمانة في دمشق. بعلاقاته المبنية في الأرجنتين، تسلّل إلى النخبة السياسية والعسكرية السورية. أصبحت شقته مقصداً لقادة حزب البعث.
السقوط: يناير ١٩٦٥. رصدت أجهزة الأمن السورية إشارات لاسلكية مجهولة المصدر من مبنى سكني في أبو رمانة. تزامن ذلك مع شكوى من السفارة الهندية بوجود تشويش على رسائلها. بالتحري، حُدّدت الشقة. وكانت المفاجأة أن صاحبها هو عضو حزب البعث البارز "كامل أمين ثابت". التفتيش أسفر عن أجهزة إرسال لاسلكية.
قُبض عليه في ١٢ يناير ١٩٦٥. حُوكم أمام محكمة عسكرية. أُعدم شنقاً في ساحة المرجة بدمشق يوم ١٨ مايو ١٩٦٥، وبقيت جثته معلقة نحو ست ساعات.
قبل ساعات من إعدامه كتب وصيته إلى زوجته نادية. طلب منها رعاية أولادهم الثلاثة — صوفي، وإيريس، وشاؤل. وقال لها إن لها كامل الحرية في الزواج من آخر، حتى لا يكبر الأطفال بلا أب.
لم تُعَد جثته إلى إسرائيل حتى اليوم.
في مايو ٢٠٢٥ — الذكرى الستين — أعلنت إسرائيل استعادتها نحو ٢٥٠٠ وثيقة من الأرشيف السوري، عبر عملية نفذها الموساد بالتعاون مع جهاز استخبارات وصفته بـ"الحليف". من بينها وصيته الأصلية.
القراءة
مَن كشف إيلي كوهين؟ ثلاث روايات. وكل واحدة تخدم من يرويها.
الرواية السورية: رصد لاسلكي بحت. سيارة رصد، وشكوى السفارة الهندية، وتحرٍّ ميداني. عمل مضاد للتجسس، نظيف ومحترف. والرواية السورية تُقلّل كذلك من شأن كوهين نفسه — تنفي أي صلة له بأمين الحافظ، وتقول إن ما نقله كان معلومات عامة، وإنه لم يخترق القيادة كما يُشاع.
الرواية المصرية: رفعت الجمال هو الأصل. رأى صورة في صحيفة — الفريق أول عبد الحكيم عامر مع القادة العسكريين السوريين، وبينهم "كامل أمين ثابت" — وعرف الوجه. كانا قد اعتُقلا معاً في القاهرة عام ١٩٥٤. أبلغ محمد نسيم، وطار ضابط مصري إلى دمشق بالملف كاملاً.
وثمة رواية مصرية موازية يوردها هيكل: ضابط مصري توقف عند وجه غير معروف في صورة، فكُبّرت وعُممت، وتعرّف عليه ضابط من هيئة الأمن القومي متخصص في مكافحة النشاط الصهيوني.
الرواية الإسرائيلية: ثقة مفرطة بالنفس. كوهين ومشغّلوه ظنوا أن انتحال الشخصية سيطول. وأُثقل بمهام كثيرة أثارت الشبهات.
الروايات ليست متناقضة بالضرورة. يمكن أن تكون كلها صحيحة. تنبيه مصري يوجّه الأنظار، ورصد لاسلكي يوفّر الدليل، وأخطاء تشغيلية تجعل الرجل قابلاً للكشف أصلاً. هكذا تسقط الشبكات عادة: لا بضربة واحدة، بل بتراكم.
ما يستحق التوقف: لاحظ أن كل طرف يروي القصة التي تخدمه. سوريا تريد أن تقول إن أجهزتها كشفته وحدها — وأنه لم يكن بالخطورة المزعومة. مصر تريد أن تقول إن رجلها هو من أنقذ سوريا. إسرائيل تريد أن تقول إنه سقط بخطأ لا بكفاءة عدوّه.
هذا هو الدرس الحقيقي في هذا الملف. ليس عن كوهين. بل عن الطريقة التي تُكتب بها تواريخ الاستخبارات: كل جهاز يكتب فصله، ولا أحد يكتب الكتاب.
وبعد ستين عاماً، ما زال جسده مفقوداً. والوثائق التي عادت إلى تل أبيب عام ٢٠٢٥ عادت من أرشيف احتفظت به سوريا عقوداً في أقسام متفرقة — بعيداً عن متناول أي جهة.
الملفات تنتظر دائماً. لكنها لا تتكلم من تلقاء نفسها.
المصادر
هذا الأرشيف يوثّق ما أُفرج عنه علناً فقط. لا يحتوي على معلومات سرية أو غير منشورة.
This archive documents publicly declassified material only.