التوثيق
أشرف مروان (١٩٤٤–٢٠٠٧). صهر جمال عبد الناصر — زوج ابنته منى. سكرتير أنور السادات لشؤون المعلومات. سفير مصر الأسبق في لندن.
الموساد أطلق عليه اسماً حركياً واحداً: "الملاك".
ما لا خلاف عليه: بدءاً من عام ١٩٧٠ — أو ١٩٧٢ بحسب رواية أخرى — بدأ مروان يمرّر إلى الجانب الإسرائيلي كميات هائلة من الوثائق والمعلومات المصرية بالغة السرية. موقعه كان يمنحه ما لا يمنحه موقع آخر: كل ملف يمر تحت بصره.
في أواخر أغسطس ١٩٧٣، حضر مروان اجتماعات رفيعة بين السادات وحافظ الأسد. في تلك الاجتماعات تحدد يوم الهجوم: السادس من أكتوبر.
سُئل من مشغّليه عمّا دار. أجابهم بأن السادات ربما يبدأ الحرب في نهاية ١٩٧٣، وربما في مطلع العام التالي، وأن الأسد وافقه. الكلمة المفتاحية كانت "ربما".
النمط الذي كرره لسنوات: إنذارات متكررة بحرب وشيكة لا تقع. في ١٣ يوليو ١٩٧٣ قدّم تقريراً دقيقاً نسبياً بأن الحرب قد تندلع في سبتمبر أو أكتوبر — وأضاف في الفقرة نفسها أن الأمر ليس خطيراً، وأن هذا التاريخ سيمر بلا حرب أيضاً.
التحذير الذي بعثه عشية السادس من أكتوبر جاء غامضاً، ومتأخراً.
النتيجة: الجيش الإسرائيلي أُنهك بتأهب متواصل امتد شهوراً. وفي اللحظة التي جاءت فيها الحرب فعلاً، كان غافلاً.
مات في لندن عام ٢٠٠٧ سقوطاً من شرفة شقته. لم تُحسم ملابسات الوفاة. أقامت له مصر جنازة رسمية مهيبة.
القراءة
لخمسين عاماً قدّمت إسرائيل مروان بوصفه أعظم جاسوس خدمها. مصر التزمت صمتاً غير طبيعي.
ثم انقلب كل شيء.
في سبتمبر ٢٠٢٥، نشرت يديعوت أحرونوت في ملحقها "٧ أيام" تحقيقاً مطوّلاً كتبه رونين بيرغمان — أبرز الصحفيين الاستخباراتيين في إسرائيل — يقول فيه صراحة إن مروان كان رأس حربة خطة خداع استراتيجي مصرية، وإنه ضلّل إسرائيل، وإن ما جرى مهّد لنصر أكتوبر.
من داخل شهادات لجنة أجرانات — لجنة التحقيق الإسرائيلية بعد الحرب — تحدث مساعد رئيس الموساد عن استراتيجية استخدمها مروان لمدة عام تقريباً، شبّهها باستراتيجية الذئب. والهدف المصري كان مزدوجاً: استنزاف الجيش الإسرائيلي بتأهب مستمر، ومعرفة الزمن الذي تستغرقه إسرائيل لتعبئة احتياطها بدقة.
المعلومة الثانية تلك — زمن التعبئة — هي التي ضمنت المفاجأة.
لكن هذا لا يغلق الملف. بل يفتحه أكثر.
الرواية الإسرائيلية نفسها متضاربة. أمان (الاستخبارات العسكرية) في صراعها مع الموساد تُصرّ على أن مروان كان عميلاً مزدوجاً هدفه التضليل. الموساد لعقود قال العكس. والآن جزء من الصحافة الإسرائيلية ينضم للرواية الأولى.
ولاحظ ما تقوله الجزيرة بدقة: الصمت المصري الرسمي غير الطبيعي لا يؤكد أنه كان بطلاً. ولا القاهرة تنفي بحسم أنه كان جاسوساً.
باستثناء تصريح واحد. عام ٢٠٠٧، بعد عودته من قمة أفريقية، قال حسني مبارك إن مروان كان رجلاً وطنياً، وإنه لم يكن جاسوساً لأي طرف، وأن الوقت لم يحن بعد للكشف عن أفعاله خلال الحرب.
"الوقت لم يحن بعد." الجملة نفسها التي قالها الموساد في عنوان كتابه: "ذات يوم عندما يُسمح بالحديث".
هناك احتمالان فقط. الأول أن مروان كان جاسوساً لإسرائيل قدّم لها كنزاً استخباراتياً، لكن التقدير الإسرائيلي أفسد الاستفادة منه. الثاني أنه كان أداة خداع مصرية بنت ثقة على مدى ثلاث سنوات لتنفقها كلها في لحظة واحدة.
والملاحظة الحاسمة: الاحتمالان يتطلبان الشيء نفسه. عميل يمرر معلومات صحيحة لسنوات ليصنع مصداقية. الفرق بينهما ليس في السلوك — بل في النية. والنية لا تُوثَّق.
هنا تكمن قسوة هذا الملف. لا يوجد دليل يفرّق بين الخائن الفاشل والبطل الناجح. الفعل واحد. المخرَج واحد. ما يفصلهما هو ما دار في رأس رجل مات في لندن دون أن يتكلم.
في العمليات الاستخباراتية، تصبح المعلومة بلا فائدة إذا جاءت متأخرة أو غامضة. معلومات مروان جاءت متأخرة وغامضة. هذه حقيقة.
هل كان ذلك تصميماً أم فشلاً؟
الملف لم يُغلق. وربما لن يُغلق أبداً.
المصادر
هذا الأرشيف يوثّق ما أُفرج عنه علناً فقط. لا يحتوي على معلومات سرية أو غير منشورة.
This archive documents publicly declassified material only.