عبد الرحيم قرمان — عابد كرمان الحقيقي وملف الاختراق داخل حيفا
فلسطيني من عرب ٤٨، صوّر السفن الحربية وطرق الطوارئ في حيفا.
التوثيق
عبد الرحيم قرمان واحد من أهم الأسماء التي ارتبطت بملفات العمل لصالح مصر داخل إسرائيل في أواخر الستينيات.
وُلد في حيفا عام ١٩٣٨ خلال فترة الانتداب البريطاني، وينتمي إلى عائلة فلسطينية ثرية ومرموقة. ظل داخل إسرائيل بعد عام ١٩٤٨، وتعلم في حيفا، ثم سافر لاحقًا إلى أوروبا، وهناك بدأت المرحلة التي ستربطه بالمخابرات المصرية.
بداية التجنيد: في عام ١٩٦٧، غادر عبد الرحيم قرمان إسرائيل إلى فرنسا بصحبة زوجته، وهناك تعرف على شخص مصري قدمه إلى أحد ضباط المخابرات العامة المصرية. بعد فترة من التواصل، تم تجنيده وتدريبه للعمل لصالح مصر، وجرى إعداده لتنفيذ مهام داخل إسرائيل مستفيدًا من جنسيته وعلاقاته وتحركاته الطبيعية.
المهام داخل حيفا: تضمنت مهامه تصوير سفن سلاح البحرية الإسرائيلي في حيفا، وتصوير صواريخ بحرية، وهي من الأسلحة التي كانت تُعد من الأسرار المهمة داخل الجيش الإسرائيلي. كما كُلف باختبار مدى صلاحية طريق حيفا–عكا لاستخدامه في إقلاع وهبوط الطائرات الحربية وقت الطوارئ، إضافة إلى محاولة الاقتراب من شخصيات كثيرة السفر إلى الخارج، خصوصًا العاملين في القوات الجوية الإسرائيلية.
شبكة العلاقات: اعتمد عبد الرحيم قرمان على قدرته في بناء علاقات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي. لم يكن عمله قائمًا على مهمة واحدة، بل على شبكة متابعة ميدانية واجتماعية داخل منطقة حيفا ذات القيمة العسكرية والبحرية. كانت قوة ملفه في قدرته على التحرك الطبيعي داخل المجتمع الإسرائيلي، وجمع معلومات من أكثر من اتجاه دون إثارة الشكوك في البداية.
تجنيد توفيق فياض: في ربيع عام ١٩٦٩، نجح عبد الرحيم قرمان في تجنيد توفيق فياض بطاح، الذي كان يعمل في جمارك ميناء حيفا. كان الهدف من تجنيده وجود عين دائمة داخل الميناء لمراقبة القطع البحرية الإسرائيلية والإبلاغ عن تفاصيلها، وهو ما جعل شبكة قرمان أكثر قدرة على تغطية التحركات البحرية داخل واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية في إسرائيل.
القبض وصفقة التبادل: تم القبض على عبد الرحيم قرمان وتوفيق فياض في بداية عام ١٩٧٠. حُكم على قرمان بالسجن، ثم زيد الحكم إلى ١٦ عامًا بعد الاستئناف. لكنه قضى نحو أربع سنوات فقط، قبل أن يتم الإفراج عنه في صفقة تبادل أسرى بين مصر وإسرائيل بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، مقابل الجاسوس الإسرائيلي باروخ زكي مزراحي.
ما بعد العملية: بعد خروجه من السجن، عاش عبد الرحيم قرمان سنوات خارج إسرائيل، ثم عاد لاحقًا إلى بلده. وتوفي في ٢٨ مارس ٢٠١١ في قرية إبطن شرقي حيفا. ألهمت قصته أعمالًا درامية وإعلامية، لكن الملف الحقيقي يبقى أهم من الدراما.
القراءة
أهمية ملف قرمان في أنه يعبر عن قدرة المخابرات المصرية على تشغيل مصادر داخل بيئة معقدة وحساسة. المصدر هنا ليس مزروعًا بهوية مصنعة، بل مواطن أصلي من داخل النسيج، جنسيته وعلاقاته هي غطاؤه.
تصوير السفن، اختبار طرق الإقلاع البديلة، والاقتراب من ضباط القوات الجوية — كلها مهام تتطلب حضورًا يوميًا في المكان، لا زيارة عابرة. هذه هي قوة "المصدر المحلي": يفهم الشارع والمواعيد والوجوه، ويعرف متى يُثير سؤاله شكًا ومتى يمر عاديًا.
الأهم أن قرمان لم يُشغَّل وحده. بنى بدوره خلية داخلية عبر تجنيد توفيق فياض، فتحول من مصدر فردي إلى نواة شبكة. هذا الانتقال — من الفرد إلى الشبكة — هو ما يجعل الملف نموذجًا استخباراتيًا كاملاً، لا مجرد قصة عميل.
المصادر
هذا الأرشيف يوثّق ما أُفرج عنه علناً فقط. لا يحتوي على معلومات سرية أو غير منشورة.
This archive documents publicly declassified material only.